
لم أنم جيدا ليلة أمس. كنت أتابع الأخبار كعادتي قبل النوم، وفجأة بدأت تتوالى التنبيهات العاجلة من الأردن. أصوات انفجارات، وميض في السماء، وحديث عن هجوم صاروخي. شعرت بقلق حقيقي، لأن الأردن بالنسبة لي كان دائما بلدا هادئا، بعيدا عن كل هذا التصعيد. أول شيء فعلته هو أنني أغلقت جميع صفحات التواصل الاجتماعي، وتوجهت مباشرة إلى المصدر الرسمي الوحيد الذي أثق به في مثل هذه اللحظات، وكالة الأنباء الأردنية الرسمية بترا. وجدت هناك البيان الذي كنت أنتظره، بيان قصير ومباشر من القوات المسلحة الأردنية، لكنه كان يحمل الكثير من التفاصيل المهمة.
وجاء في البيان الرسمي الذي نقلته أيضا وكالة رويترز صباح اليوم 9 سبتمبر 2026، أن المملكة تعرضت خلال الساعات الماضية لاعتداء صاروخي مصدره الأراضي الإيرانية. وأوضح البيان أن منظومات الدفاع الجوي الأردنية تعاملت مع 20 صاروخا باليستيا، تمكنت من اعتراض وتدمير 18 منها بنجاح، بينما سقط صاروخان في مناطق خالية من التجمعات السكانية، دون تسجيل أي خسائر في الأرواح. قرأت البيان ثلاث مرات لأتأكد من الأرقام. الرقم الرسمي هو 20 صاروخا، و18 عملية اعتراض ناجحة. هذا هو كل ما هو مؤكد حتى هذه اللحظة من الجانب الأردني الرسمي.
وبحسب ما نشرته وكالة الأنباء الروسية تاس ووكالة سكاي نيوز عربية، فإن الحرس الثوري الإيراني أعلن مسؤوليته عن هذا الهجوم. وقال في بيان له إن هذه الضربة جاءت ردا على قصف أمريكي استهدف جزيرة لارك في مضيق هرمز. وأضاف أن الصواريخ استهدفت قاعدتين تستضيفان قوات أمريكية في الأردن، وهما قاعدة موفق السلطي الجوية شرق العاصمة عمان، وقاعدة الأمير حسن الجوية. موقع أكسيوس الأمريكي نقل عن مسؤول أمريكي تأكيده لوقوع الهجوم، فيما نقلت شبكة فوكس نيوز عن مصدر أمريكي أن معظم الصواريخ جرى اعتراضها، ولم تظهر مؤشرات أولية على وقوع أضرار كبيرة داخل القواعد. أنا أنقل لك هنا ما قالته المصادر الرسمية من الطرفين، دون أي إضافة أو تحليل شخصي منحاز.
أما بخصوص الصورة التي أرسلتها والتي تتحدث عن إطلاق ما بين 70 إلى 100 مقذوف من بطاريات الباتريوت الأمريكية للتصدي لـ20 صاروخا فقط، فهذه النقطة تحتاج إلى توضيح مهم جدا. هذا الرقم المتداول عن 100 صاروخ دفاعي ليس جزءا من أي بيان رسمي أردني أو أمريكي. هو عبارة عن تقدير وتحليل نشره بعض الخبراء والمتابعين على منصات التواصل الاجتماعي، بناء على مقاطع فيديو متداولة تظهر وابل من الصواريخ الاعتراضية في السماء. في الواقع العسكري، منظومة الباتريوت تعمل بهذه الطريقة، حيث تطلق أكثر من صاروخ اعتراضي لضمان إسقاط صاروخ مهاجم واحد، وهذا إجراء معتاد وليس دليلا على الفشل أو الاستنزاف كما يصور البعض. لذلك، من الناحية القانونية والمهنية، لا يمكننا أن نكتب أن أمريكا أطلقت 100 صاروخ وفشلت، لأننا بذلك سننشر معلومة غير مؤكدة رسميا.
ما لفت انتباهي في هذا الهجوم هو ردة الفعل الإقليمية السريعة. وزارة الخارجية السعودية أدانت بأشد العبارات هذا الاعتداء، واعتبرته انتهاكا لسيادة الأردن. وكذلك فعلت وزارة الخارجية البحرينية التي أشادت بيقظة منظومة الدفاع الجوي الأردنية وقدرتها على التصدي للصواريخ. هذا الإجماع العربي على دعم الأردن يظهر مدى خطورة ما حدث. فالأردن ليس طرفا في الصراع المباشر بين إيران والولايات المتحدة، لكنه وجد نفسه في الوسط بسبب وجود قوات أمريكية على أراضيه. وهذا يضع المملكة في موقف صعب للغاية، فهي مطالبة بحماية أجوائها ومواطنيها، وفي نفس الوقت تجنب الانجرار إلى حرب إقليمية واسعة.
ومن الناحية الإنسانية، أكثر ما أثر بي هو البيان الثاني الذي أصدره الجيش الأردني بعد ساعات من الهجوم. فقد أهاب بالمواطنين عدم الاقتراب من أي أجسام أو شظايا أو متساقطات مجهولة، وعدم لمسها، وإبلاغ الجهات المختصة فورا. تخيل أن تكون أبا في إحدى القرى القريبة من القواعد العسكرية، وتضطر أن تمنع أطفالك من اللعب في الحقول لأن هناك بقايا صواريخ قد تكون خطيرة. هذا هو الجانب الذي لا يظهر في الفيديوهات المثيرة التي تنتشر على الإنترنت. الحرب ليست مجرد أرقام عن صواريخ، بل هي خوف حقيقي يعيشه الناس على الأرض. الأردن الذي استقبل اللاجئين وكان دائما مثالا للاستقرار، أصبح اليوم يطلب من مواطنيه الحذر من شظايا الحرب.
في النهاية، ما حدث ليلة التاسع من سبتمبر هو تطور خطير بكل المقاييس، لكنه يظل تحت السيطرة حسب الرواية الرسمية. 20 صاروخا أطلقت، و18 تم اعتراضها بنجاح، وصاروخان سقطا في مناطق خالية، ولا يوجد خسائر بشرية. هذه هي الحقيقة الرسمية حتى الآن من الجيش الأردني ووكالة رويترز. أما الحديث عن فشل منظومة الباتريوت وإطلاق 100 صاروخ، فهو يبقى في إطار التحليلات غير الرسمية التي لا يمكن الاعتماد عليها في موقع إخباري يحترم نفسه ويريد الحفاظ على قبول أدسنس. أنا اخترت أن أكتب لك الحقيقة المؤكدة، حتى لو كانت أقل إثارة، لأن المصداقية هي رأس مالنا الوحيد. هل تعتقد أن نسبة اعتراض 18 من 20 صاروخا تعتبر نجاحا دفاعيا في ظل هذا التوتر الشديد
المصادر: وكالة الأنباء الأردنية بترا - بيان القوات المسلحة الأردنية 9 سبتمبر 2026 ووكالة رويترز - SWI swissinfo.ch
Tags:
أخبار دولية